المقدمة: الحقيقة المرة عن “الحرية” في العمل الحر
“أنا بدي أصير فريلانسر عشان أكون مدير نفسي، وأصحى وقت ما بدي، وأشتغل من أي مكان.”
هاي الجملة؟ هاي أكبر فخ وقعت فيه أول ما بدأت، وأغلب المبرمجين بيوقعوا فيه.
بتتخيل إنك رح تكون قاعد على البحر واللابتوب بحضنك، بتكتب سطرين كود، وبعدين بتشرب عصير وتستمتع بالحياة.
بس الواقع؟ الواقع مختلف تماماً يا صاحبي.
الواقع هو إنك بتصحى الساعة 12 الظهر لأنك كنت سهران للساعة 4 الفجر بتصلح Bug تافه.
الواقع هو إنك بتشتغل يوم الجمعة ويوم العيد لأن العميل قرر فجأة يغير الـ Requirements.
الواقع هو إنك بتمر عليك أيام بتنسى تاكل فيها، وأيام تانية بتمر عليك وانت صافن بالسقف مش عارف من وين تبدأ من كتر الشغل المتراكم.
أنا مريت بكل هاد. عشت أيام كنت بشتغل فيها 14 ساعة باليوم، ومع هيك، بآخر الشهر، دخلي كان أقل من راتب وظيفة عادية، وصحتي النفسية والجسدية كانت بالحضيض. كنت “مشغول” طول الوقت، بس ما كنت “بنتج” عنجد.
بس الخبر الحلو؟ المشكلة مش فيك، ولا في البرمجة، ولا في العملاء. المشكلة في “النظام”.
الحرية بدون نظام هي فوضى. والفوضى في عالم البرمجة معناها Burnout (احتراق وظيفي) سريع ومؤلم.
في هاد المقال، ما رح أعطيك نصائح نظرية زي “نظم وقتك” و “استيقظ باكراً”. لا، رح أحكيلك بالتفصيل الممل، ومن تجربتي الشخصية المؤلمة، كيف قدرت أتحول من مبرمج “غرقان في الفوضى” لمبرمج بيشتغل ساعات أقل، بينتج أكتر، وعنده وقت لحياته الشخصية. رح نبني مع بعض “نظام تشغيل” لحياتك كمستقل.
الجزء الأول: تشخيص المشكلة (ليش وقتك بضيع أصلاً؟)
قبل ما نعالج، لازم نشخص. ليش إنت دائماً مضغوط؟ وين بتروح الـ 24 ساعة؟
1. وهم “العمل المستمر”
أكبر كذبة بنحكيها لحالنا: “طالما أنا قاعد قدام اللابتوب، وفاتح الـ VS Code، معناها أنا بشتغل”.
خطأ.
الرد ع الإيميلات مش شغل. تظبيط الثيم تبع الـ IDE مش شغل. البحث عن “أفضل لابتوب للمبرمجين” لمدة ساعتين مش شغل. ومحاولة حل مشكلة وانت مش مركز وعقلك فاصل.. هاد مش شغل، هاد تعذيب للذات.
2. سياق العمل المفقود (Context Switching)
إنت بتكتب دالة معقدة في JavaScript، فجأة برن تليفونك (عميل)، بترد عليه، بترجع للكود.. نسيت وين كنت. بترجع تركز، بتوصلك رسالة واتساب، بترد.. بترجع للكود.. نسيت المتغير شو كان بيعمل.
كل مرة بتقاطع فيها حالك، مخك بحتاج من 15 لـ 20 دقيقة ليرجع لنفس مستوى التركيز العميق. يعني 3 مقاطعات بالساعة كفيلة إنها تدمر إنتاجيتك تماماً.
3. عدم القدرة على قول “لا”
بيجيك عميل بمشروع ما إلك خبرة فيه؟ بتقول “اه بتعلمه”. بيجيك عميل سعره رخيص بس “وعدك بمشاريع تانية”؟ بتقول “ماشي”. بيجيك صاحبك “بدي موقع بسيط بسعر أخوي”؟ بتقول “تم”.
إنت بتعبي وقتك بمشاريع “خردة” بتستهلك طاقتك، وما بتخليلك وقت للمشاريع الحقيقية اللي بتجيب فلوس وبتطورك.
4. الكمالية الزائدة (Perfectionism)
بتقعد 5 ساعات تحاول تخلي الكود “مثالي” وتعمل Refactoring لشيء أصلاً شغال والعميل مش رح يفرق معه. الكمالية في العمل الحر، خصوصاً في البدايات، هي عدو الإنجاز. “Done is better than perfect”.
الجزء الثاني: بناء “نظام التشغيل” الخاص بك
خلصنا تشخيص، هلأ وقت العلاج. كيف تبني نظام يخليك تسيطر ع وقتك؟
1. تقنية “الكتل الزمنية” (Time Blocking) – سلاحك السري
أنسى الـ To-Do List التقليدية اللي فيها 20 مهمة وانت بتختار عشوائي. الحل هو الـ Time Blocking.
الفكرة ببساطة: يومك مقسم لـ “بلوكات” أو كتل زمنية. كل كتلة إلها وظيفة محددة، وممنوع تعمل فيها اشي تاني.
مثال لجدولي الشخصي (وإنت قيس عليه):
- 9:00 – 12:00 (كتلة التركيز العميق – Deep Work):
- هاي أهم 3 ساعات في يومي.
- المهمة: أصعب وأهم كود لازم ينكتب اليوم. المشروع الرئيسي اللي بشتغل عليه.
- القوانين: التليفون في غرفة تانية (صامت). الإيميل مسكر. السوشيال ميديا محظورة. الباب مسكر.
- بهاد الوقت، أنا بكون “ماكينة كود”. 3 ساعات هون بتعادل شغل يوم كامل “مشتت”.
- 12:00 – 1:00 (استراحة الغداء والصلاة):
- ببعد عن الشاشة تماماً. باكل، بصلي، بتمشى شوي. ضروري تفصل مخك عشان يشحن.
- 1:00 – 3:00 (كتلة “العمل الضحل” – Shallow Work):
- هون بعمل الأشياء اللي ما بدها تركيز خرافي.
- الرد ع الإيميلات ورسائل العملاء.
- اجتماعات (Zoom/Meet).
- إصلاح Bugs بسيطة أو تعديلات خفيفة طلبها العميل.
- تحديث الـ Trello أو الـ Jira.
- 3:00 – 4:00 (كتلة التعلم والتطوير):
- هاد الوقت مقدس لنفسي.
- بقرأ مقال تقني، بحضر درس من كورس، بجرب تقنية جديدة (زي ما حكيت بمقال كيف تختار التخصص البرمجي، لازم تضلك تتعلم).
- هاي الساعة هي اللي بترفع قيمتك بالسوق مع الوقت.
- 4:00 – … (الحياة):
- بسكر اللابتوب. خلص الشغل.
- وقت للعيلة، للرياضة، للأصحاب، للراحة.
2. إدارة العملاء بذكاء (الحدود هي كل شيء)
العميل مش عدوك، بس هو بطبيعته بدو ياخد أكبر قدر من وقتك بأقل تكلفة. دورك ترسم الحدود.
- ساعات العمل الرسمية: اكتب في الـ Bio تبعك، وفي توقيع الإيميل، وفي العقد: “أنا متاح للرد من الساعة كذا للساعة كذا”. وإذا بعتلك رسالة الساعة 10 بالليل؟ لا ترد. إذا رديت مرة، رح يتعود. وإذا ما رديت، رح يفهم إنك محترف وعندك نظام.
- الاجتماعات: ما توافق ع أي اجتماع “فجأة”. الاجتماع لازم يكون بموعد مسبق، وإله أجندة واضحة. أغلب الاجتماعات ممكن تكون مجرد إيميل.
- نظام التعديلات: في العقد، حدد عدد جولات التعديل (مثلاً 2 أو 3). أي تعديل زيادة بكون بفلوس زيادة. هاد بخلي العميل يجمع كل تعديلاته مرة وحدة ويركز معك، بدل ما يبعتلك كل 5 دقايق “غير لون الزر”.
3. البيئة المحيطة (مكتبك هو قلعتك)
بما إنك بتشتغل من البيت (غالباً)، لازم تفصل “البيت” عن “الشغل”.
- مكان مخصص: لو بتقدر، خصص غرفة مكتب. لو ما بتقدر، زاوية معينة، طاولة معينة. المهم: لما تقعد هون، مخك يفهم “إحنا هلأ بالشغل”. ما تشتغل وانت متمدد ع الكنباي أو بالسرير.
- اللبس: ما تضحك علي، بس جد، ما تشتغل بالبيجامة. البس لبس مريح بس مرتب، كأنك طالع تشوف ناس. هاد الشي بغير نفسيتك وبخليك تاخد الشغل بجدية أكتر.
- سماعات العزل (Noise Cancelling): استثمار رائع إذا عندك دوشة بالبيت. شغل موسيقى هادية أو White Noise وادخل بـ “المنطقة” (The Zone).
الجزء الثالث: أدوات وتقنيات عملية لزيادة الإنتاجية
النظام بدو أدوات تساعدك تطبقه. بس زي ما اتفقنا، البساطة هي الأساس.
1. تقنية بومودورو (Pomodoro Technique)
لما تحس حالك مش قادر تبدأ، أو المهمة تقيلة ع قلبك، استخدم بومودورو.
- اضبط المؤقت: 25 دقيقة شغل بتركيز تام.
- استراحة: 5 دقائق.
- كرر 4 مرات، بعدين خد استراحة طويلة (15-30 دقيقة).
ليش بتنفع؟ لأنك بتقنع مخك: “يا مخي العزيز، ركز بس 25 دقيقة وبعدين العب زي ما بدك”. 25 دقيقة سهلة، والبدء هو أصعب مرحلة.
2. قاعدة الدقيقتين
أي مهمة بتيجيك وبتاخد أقل من دقيقتين (رد سريع، إرسال ملف، تسجيل موعد)، اعملها فورا. لا تأجلها وتخليها تتراكم وتعملك زحمة في عقلك.
3. أدوات إدارة المهام (Project Management)
ما تعتمد ع ذاكرتك. مخك مخلوق للإبداع وحل المشاكل، مش لحفظ قوائم المهام.
- Trello / Notion: ممتازين لتنظيم المشاريع. اعمل بورد لكل مشروع (To Do, In Progress, Done).
- Google Calendar: للمواعيد والـ Time Blocking اللي حكينا عنه.
- ورقة وقلم: كل يوم الصبح (أو قبل ما تنام)، اكتب أهم 3 مهام لليوم التالي. بس 3. هدول اللي لو أنجزتهم بتعتبر يومك ناجح.
4. التحكم في المشتتات التقنية
- Cold Turkey / Freedom: برامج بتقفل مواقع السوشيال ميديا واليوتيوب غصب عنك في أوقات العمل.
- إشعارات الهاتف: طفيها. كلها. خلي بس المكالمات للضرورة القصوى. صدقني ما رح يفوتك اشي مهم ع فيسبوك أو انستغرام بـ 4 ساعات شغل.
الجزء الرابع: الجانب النفسي والصحي (الوقود تبعك)
إنت “الأصل” (The Asset) في شغلك الحر. لو لابتوبك خرب بتشتري غيره، بس لو ضهرك خرب أو عقلك انحرق، مين رح يشتغل بدالك؟
1. النوم
المبرمج “الزومبي” اللي ما بنام بكتب كود سيء، وكود مليان Bugs، وبوخد 3 أضعاف الوقت عشان يحل مشكلة تافهة.
نام 7-8 ساعات. النوم هو الوقت اللي مخك برتب فيه المعلومات وبعمل “Defragmentation”. قلة النوم دين رح تدفعه من صحتك وتركيزك.
2. الحركة
البرمجة مهنة “الجلوس القاتل”.
كل ساعة، قوم اتحرك. اشتري كرسي منيح (استثمار في ضهرك). جرب الـ Standing Desk إذا بتقدر.
الرياضة مش رفاهية، الرياضة ضرورة عشان الدم يوصل لمخك وتقدر تفكر.
3. العزلة الاجتماعية
العمل الحر ممكن يكون موحش. بتمر أيام ما بتحكي مع حدا غير الكيبورد.
خصص وقت تطلع تشوف ناس. اشتغل من Coworking Space مرة بالأسبوع. اطلع مع أصحابك. تواصلك البشري بحافظ ع توازنك النفسي.
4. التعامل مع الفشل والرفض
رح يجيك أيام كودك ما يشتغل، وعميل يرفض شغلك، ومشروع يتلغى. هاد جزء طبيعي من اللعبة.
ما تاخد الموضوع شخصي. تعلم الدرس، عدل طريقتك، وكمل. راجع مقال أهم التحديات التي يواجهها المبرمجون عشان تعرف إنك مش لحالك بهي المعاناة.
الجزء الخامس: متى تقول “لا”؟ (فن الرفض)
أهم مهارة في إدارة الوقت هي “الرفض”.
كل ما تقول “نعم” لمشروع سيء، إنت بتقول “لا” لمشروع جيد، أو لوقت راحتك، أو لوقت تعلمك.
ارفض العميل إذا:
- سعره أقل بكتير من سعرك المعتاد (إلا إذا في مصلحة استراتيجية واضحة).
- مشروعه مش واضح وأهدافه ضبابية.
- أسلوبه في الكلام مش محترم أو بقلل من قيمتك.
- بطلب منك تقنيات إنت ما بتعرفها وما عندك وقت تتعلمها هلأ.
لما ترفض المشاريع الغلط، بتفضي وقتك للمشاريع الصح. المشاريع اللي بتدفع منيح، وبتطورك، وبتستمتع فيها.
الخاتمة: ابدأ اليوم، مش بكرا
إدارة الوقت مش سحر، ولا موهبة بتنولد فيها. هي مهارة، زيها زي تعلم JavaScript أو Python. بدها تمرين، وبدها صبر، وبدها تجربة وخطأ.
النظام اللي حكيتلك عنه هو اللي نفع معي، وممكن تحتاج تعدله ليناسب حياتك وظروفك. وهاد طبيعي.
المهم إنك تبدأ.
شو تعمل هلأ؟
- افتح Google Calendar.
- احجز ساعات “العمل العميق” لبكرا الصبح.
- اكتب أهم 3 مهام لبكرا ع ورقة صغيرة.
- جهز مكتبك، ونظفه من أي كراكيب.
- نام بكير.
يا صاحبي، الوقت هو عملتك الحقيقية في هاد العالم. ما تصرفه ع الفاضي.
إنت بتقدر تكون مبرمج محترف، وتعمل دخل ممتاز، ويكون عندك حياة حلوة بنفس الوقت. بس بدها شوية تنظيم، وشوية إرادة، وكتير من الـ “لا” للمشتتات.
الطريق قدامك، والقرار إلك.
اكتشاف المزيد من كود التطور
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.


